الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
179
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
والبعد عن الرحمة والخزي وإضافة سوء الدار كإضافة عقبى الدار . والسوء ضد العقبى كما تقدم . [ 26 ] [ سورة الرعد ( 13 ) : آية 26 ] اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ ( 26 ) هذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا جوابا عما يهجس في نفوس السامعين من المؤمنين والكافرين من سماع قوله : أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ المفيد أنهم مغضوب عليهم ، فأما المؤمنون فيقولون : كيف بسط اللّه الرزق لهم في الدنيا فازدادوا به طغيانا وكفرا وهلا عذبهم في الدنيا بالخصاصة كما قدر تعذيبهم في الآخرة ، وذلك مثل قول موسى - عليه السّلام - رَبَّنا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوالًا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا رَبَّنا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ [ سورة يونس : 88 ] ، وأما الكافرون فيسخرون من الوعيد مزدهين بما لهم من نعمة . فأجيب الفريقان بأن اللّه يشاء بسط الرزق لبعض عباده ونقصه لبعض آخر لحكمة متصلة بأسباب العيش في الدنيا ، ولذلك اتّصال بحال الكرامة عنده في الآخرة . ولذلك جاء التعميم في قوله : لِمَنْ يَشاءُ ، ومشيئته تعالى وأسبابها لا يطلع عليها أحد . وأفاد تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي في قوله : اللَّهُ يَبْسُطُ تقوية للحكم وتأكيدا ، لأن المقصود أن يعلمه الناس ولفت العقول إليه على رأي السكاكي في أمثاله . وليس المقام مقام إفادة الحصر كما درج عليه « الكشاف » إذ ليس ثمة من يزعم الشركة للّه في ذلك ، أو من يزعم أن اللّه لا يفعل ذلك فيقصد الرد عليه بطريق القصر . والبسط : مستعار للكثرة وللدوام . والقدر : كناية عن القلة . ولما كان المقصود الأول من هذا الكلام تعليم المسلمين كان الكلام موجها إليهم . وجيء في جانب الكافرين بضمير الغيبة إشارة إلى أنهم أقل من أن يفهموا هذه الدقائق لعنجهية نفوسهم فهم فرحوا بما لهم في الحياة الدنيا وغفلوا عن الآخرة ، فالفرح المذكور فرح بطر وطغيان كما في قوله تعالى في شأن قارون : إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [ سورة القصص : 76 ] ، فالمعنى فرحوا بالحياة الدنيا دون اهتمام بالآخرة . وهذا المعنى أفاده الاقتصار على ذكر الدنيا في حين ذكر الآخرة أيضا بقوله : وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ .